وهبة الزحيلي
113
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ مجاز مرسل ، من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل ، أريد به بما كسبوا ؛ لأن أكثر الأعمال تزاول بالأيدي . المفردات اللغوية : وَما كُنْتَ الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أي ما كنت حاضرا بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي بجانب الجبل أو الوادي أو المكان الغربي من موسى حين المناجاة ، فإنه كان في شق الغرب من مقام موسى إِذْ قَضَيْنا أوحينا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أمر الرسالة إلى فرعون وقومه ، والمعنى : كلفناه وعهدنا إليه بالرسالة أمرا ونهيا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين لما حدث ، فتعلمه وتخبر به . أَنْشَأْنا قُرُوناً أوجدنا أمما مختلفة من بعد موسى فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي بعد الأمد وطال عمرهم ، فنسوا العهود ، وحرّفت الأخبار ، وتغيرت الشرائع ، واندرست العلوم ، وانقطع الوحي . وحذف المستدرك بعد لكِنَّا وأقام سببه مقامه وتقديره : فجئنا بك رسولا ، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره ثاوِياً مقيما ، يقال : ثوى بالمكان يثوي به : أقام أَهْلِ مَدْيَنَ قوم شعيب تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا تقرأ عليهم آياتنا التي فيها قصتهم ، فتخبر بها بعد معرفتها كُنَّا مُرْسِلِينَ إياك ومخبرين لك بها ، أي أرسلناك بالرسالة المتضمنة أخبار المتقدمين . بِجانِبِ الطُّورِ جبل الطور إِذْ نادَيْنا حين نادينا موسى أن خذ الكتاب بقوة وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي ولكن علمناك وأرسلناك رحمة من ربك لِتُنْذِرَ قَوْماً هم أهل مكة وغيرهم يَتَذَكَّرُونَ يتعظون لَوْ لا الأولى امتناعية مُصِيبَةٌ عقوبة أو عذاب في الدنيا والآخرة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ بما كسبوا من الكفر والمعاصي لَوْ لا أَرْسَلْتَ أي هلا ، وهي تحضيضية ، تفيد الحث على حدوث ما بعدها فَنَتَّبِعَ آياتِكَ المرسل بها ، وجواب لولا محذوف ، أي لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ، لما أرسلناك رسولا . والمراد أن إرسال النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلم وكل رسول قبله كان لقطع أعذار الناس ، وإبطال احتجاجهم بعدم الاعلام والتبليغ . المناسبة : بعد أن قص اللّه تعالى قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه وما تضمنه من غرائب الأحداث والعبر ، وأوحى اللّه تعالى بجميع تلك الأخبار إلى نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، ذكّره بإنعامه عليه بذلك وبما خصه من المغيبات التي لا يعلمها ، لا هو ولا قومه ، وأبان الحاجة إلى رسالته ، لئلا يكون للناس على اللّه حجة بعد